محمد الغزالي

462

فقه السيرة ( الغزالي )

الرجل الذي أحيا موات القلوب ، وأخرجهم وذرياتهم ونساءهم من الظلمات إلى النور ، تطلّعت إليه الأعين الحائرة فرأته متعبا . انهزمت العافية في بدنه الجلد أمام سطوة المرض العاتي . إلا أنّه أخذ يحدّثهم ويربّيهم على عهداهم به دائما . وأنصتوا ، فإذا هم يسمعون منه عجبا . . أنّه لما أحس بدنوّ أجله أحبّ أن يلقى اللّه وليس هناك بشر يطلبه بتبعة . إنّه تحرّى العدالة في شؤونه كلّها ؛ لكن من يدري ؟ ربما عرض له سهو مما يعرض لبني ادم أو خطأ فجار ، وهو الذي يبرأ من الجور وذويه ! ! . إذن ليخطب الناس في هذا حتى يستريح ضميره . . قال : « أمّا بعد أيها الناس ! فإنّي أحمد اللّه الذي لا إله إلا هو . فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه ، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه ! . ألا وإنّ الشحناء ليست من طبعي ولا من شأني . ألا وإنّ أحبكم إليّ من أخذ مني حقا إن كان له ، أو أحلّني منه فلقيت اللّه وأنا طيب النّفس . وقد أرى أنّ هذا غير مغن عني حتى أقوم فيكم مرارا » . قال الفضل : ثم نزل فصلّى الظهر ، ثم رجع فجلس على المنبر ، فعاد لمقالته الأولى في الشحناء وغيرها . فقام رجل فقال : يا رسول اللّه ! إنّ لي عندك ثلاثة دراهم ؟ فقال : « أعطه يا فضل » . ثم قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أيها الناس ، من كان عنده شيء فليؤدّه ، ولا يقل : فضوح الدّنيا ، ألا وإنّ فضوح الدنيا أيسر من فضوح الآخرة » ! . فقام رجل فقال : يا رسول اللّه ! عندي ثلاثة دراهم غللتها في سبيل اللّه . قال : « ولم غللتها ؟ » قال : كنت إليها محتاجا . قال : « خذها منه يا فضل » . ثم قال : « أيها الناس ، من خشي من نفسه شيئا فليقم أدع له » . فقام رجل فقال : يا رسول اللّه ! إنّي لكذّاب ، إنّي لفاحش ، وإني لنؤوم ! فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « اللهمّ ارزقه صدقا وإيمانا ، وأذهب عنه النوم » . ثم قام رجل اخر فقال : واللّه يا رسول اللّه إنّي لكذاب ، وإنّي لمنافق ، وما من شيء إلا قد جنيته . فقام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقال له : فضحت نفسك ! فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم :